حيدر حب الله

96

حجية الحديث

مشتركة للخطأ له أثرٌ كبير في إبطال حسابات الاحتمال . فمثلًا : إذا أخبر عشرة عن وجود الهلال ، وكانوا في نقطة فيها نصب يشبه بالهلال ، فلا يحصل العلم من إخباراتهم ، وهذا بخلاف ما إذا لم يكن ذلك النصب موجوداً . فهنا يقرّ بأن العلم لا يتحصَّل من إخبارات الجماعة من الأشخاص ؛ بسبب وجود هذا النصب ، الذي يحتمل بسببه اشتباههم ، ولكنه لا يحتمل أن يوجد مثل هذا النصب ، وعدم علمنا به ؛ لبعدهم الزمني أو المكاني ، مع أنهم عشرة أشخاص ، وبالتالي فقد كان من الممكن أن ينطبق على خبرهم مسمى المتواتر . فهل في حال الجهل بوجود النكتة المشتركة للخطأ يصبح خبرهم حسّياً يورث العلم أو القطع ؟ ! إن الأنسب هنا - في رأيي - أن نصل إلى نتيجة مفادها أنّ أخبار الرجال لا تجلب العلم إلّا بالمقدار الذي يمكن معه « التحقّق » من صحتها بوسيلة حسّية أو عقلية ، غير الخبر نفسه ؛ وذلك لوجود الاحتمال المستمرّ بوجود دوافع مجهولة للكذب أو الخطأ أو الاشتباه ؛ لمجرد كونهم بشراً غير معصومين . فهي تفيد الظنّ بدرجات تتناسب مع عدد المخبرين ، ووثاقتهم ، وظروف شهادتهم ، ووجود قرائن على صدقهم أو كذبهم . . « 1 » . ونتيجة هذا الكلام - الموجود في أذهان الكثير من النقّاد المعاصرين ، وقد سبق لنا تسجيل جملة من مضمونه في بعض بحوثنا في السنوات الماضية « 2 » - أنّ التواتر لا يفيد سوى الظنّ ، وغايته أن نتحدّث عن الاطمئنان لا عن العلم ؛ لأنّ فرص التحقّق من الأمور بالغة الصعوبة ، وهذه الإشكاليّة ترجع روحها إلى ارتدادات الحداثة ؛ إذ من نتائج الحداثة فقدان الثقة بالتاريخ المنقول ، ولهذا يذهب رجال الاتجاه الديني المعنوي الحديث كالدكتور مصطفى ملكيان وأمثاله إلى القول بأنّ الدين التاريخي لا يمكن أن

--> ( 1 ) علي بن محمّد الحمد ، منهجيّة العلوم الشرعيّة في مقابل المنهجية العلميّة الحديثة ، مجلّة الاجتهاد والتجديد ، العدد 28 - 29 : 41 - 43 ؛ ولمزيد اطلاع ، انظر : عالم سبيط النيلي ، البحث الأصولي بين الحكم العقلي للإنسان وحكم القرآن ، كتاب نقدي لطرائق البحث الأصولي : 319 - 341 . ( 2 ) انظر : حيدر حب الله ، مسألة المنهج في الفكر الديني : 311 - 315 .